أبو الليث السمرقندي
384
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
يسلم إليه أخته ، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ، وكان ذلك علامة القبول ، وتركت قربان قابيل فذلك قوله : إِذْ قَرَّبا قُرْباناً يعني وضعا قربانا . فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما يعني هابيل وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ يعني قابيل ف قالَ قابيل لهابيل لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ ولم ؟ قال : لأن اللّه قد قبل قربانك ورد عليّ قرباني . فقال له هابيل : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ولم يكن الذنب مني ، وإنما لم يتقبل منك لخيانتك وسوء نيتك . وقال بعض الحكماء : العاقل من يخاف على حسناته ، لأن اللّه تعالى قال : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ والخاسر من يأمن من عذاب اللّه لأن اللّه تعالى قال : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [ الأعراف : 99 ] . قوله تعالى : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ يعني هابيل قال لقابيل : لئن مددت إليّ يدك لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ثم قال : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يعني : إني أريد أن ترجع بإثمي ، يعني بقتلك إياي وبإثمك الذي عملت قبل قتلي وهي الخيانة في القربان وغيره . ويقال : إني أريد أن ترجع بإثمي ، يعني أن لا أبسط يدي إليك لترجع أنت بإثمي وإثمك ، ولا يكون عليّ من الإثم شيء . ويقال : معناه إني أريد أن تؤخذ بإثمي وإثمك . فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ يعني لكي لا يكون من أصحاب النار وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ . قال اللّه تعالى : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ يعني تابعت له نفسه على قتل أخيه ويقال : انقادت له طاعة نفسه . وقال : قتادة زينت له نفسه بقتل أخيه فَقَتَلَهُ قال بعضهم : إنه كان لا يدري كيف يقتله ، حتى جاء إبليس فتمثل عنده برجلين ، فأخذ أحدهما حجرا ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله ، فتعلم ذلك منه وقال بعضهم : بل كان يعرف ذلك بطبعه ، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ، ويمكن إتلافها فأخذ حجرا وقتله بأرض الهند ، فلما رجع إلى آدم قال له : ما فعلت بهابيل ؟ فقال له قابيل : أجعلتني رقيبا على هابيل ؟ فذهب حيث يشاء فبات آدم تلك الليلة محزونا ، فلما أصبح قابيل رجع إلى الموضع الذي قتله ، فرأى غرابا وقال بعضهم : كان يحمله على عاتقه أياما لا يدري ما يصنع به حتى رأى غرابا ميتا ، فجاء غراب آخر وبحث التراب برجليه ودفن الغراب الميت في التراب ، فذلك قوله تعالى فقتله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني فصار من المغبونين في العقوبة . قوله تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ وقابيل ينظر إليه . وقال القتبي : هذا من الاختصار ، ومعناه بعث غرابا يبحث التراب على غراب الميت لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ يعني كيف يغطي عورة أخيه قالَ قابيل عند ذلك : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ يعني أضعفت في الحيلة أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي يعني فأغطي عورة أخي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على حمله حيث لم يدفنه حين قتله . قال ابن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة منه . ويقال : إن آدم وحواء أتيا قبره وبكيا أياما عليه ، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل ، فنطحه ثور فوقع على السفح فتفرقت عروقه . ويقال : دعا عليه آدم فانخسفت به